محمد أبو زهرة

12

المعجزة الكبرى القرآن

روى الترمذي بسنده عن علي بن أبي طالب رضى اللّه عنه ، وكرم وجهه في الجنة أنه قال : « سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : ستكون فتن كقطع الليل المظلم ، قلت : يا رسول اللّه وما المخرج منها ؟ قال : كتاب اللّه تبارك وتعالى فيه نبأ من قبلكم ، وخبر ما بعدكم ، وحكم ما بينكم ، هو الفصل ليس بالهزل ، من تركه من جبار قصمه اللّه ، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله اللّه ، هو حبل اللّه المتين ، ونوره المبين ، والذكر الحكيم ، والصراط المستقيم ، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ، ولا تلتبس به الألسنة ، ولا تتشعب معه الآراء ، ولا يشبع منه العلماء ، ولا يمله الأتقياء ، ولا يخلق على كثرة الرد ، ولا تنقضى عجائبه ، وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدى إلى الرشد ، من علم علمه سبق ، ومن قال به صدق ، ومن حكم به عدل ، ومن عمل به أجر ، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم ، خذها إليك يا أعور » . وقد رواه الحارث الهمذاني برواية الترمذي ، وقد حسن رواية الحارث كثيرون من المحدثين ، منهم الفقيه المحدث ابن عبد البر ، وإن الذين اتهموا حارثا فيهم نزعة أموية ، ومنهم الشعبي ، وقد قال فيه ابن عبد البر : « أظن الشعبي عوقب لقوله في الحارث الهمذاني : حدثني الحارث وكان أحد الكاذبين » . وإنه في معنى هذا الحديث ما روى عن عبد اللّه بن مسعود رضى اللّه تعالى عنه ، إذ جاء أنه فيما روى عنه « إن هذا القرآن مأدبة اللّه تعالى فتعلموا من مأدبته ما استطعتم ، إن هذا القرآن هو حبل اللّه والنور المبين ، والشفاء النافع ، عصمة من تمسك به ، ونجاة من اتبعه ، لا يعوج فيقوم ، ولا يزيغ فيستعتب ، ولا تنقضى عجائبه ، فاتلوه فإن اللّه يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات » . وإن هذه الأخبار ومثلها كثير تدل على منزلة القرآن في الإسلام ، وأنه العصمة من الزيغ ، وأنه المرجع المتبع ، وأنه يشتمل على شرائع الإسلام كلها ، وأنه بذلك هو الحكم بين الناس الذي لا يضل حكمه ، وأن من تركه من جبار قصم اللّه تعالى ظهره ، وأنه لا تتشعب الآراء في حقيقته إذا استقامت الأفهام ، ولم تضل المدارك . والعلماء يجدون فيه المعين الذي لا ينضب ، والثروة الإسلامية التي لا تنفد . فيه حكم الأمور كلها ما وقع وما لم يقع ، وأن كل ما فيه حق ، وأنه مصلحة الدنيا والأخرى ، ما من خبر إلا له في القرآن أصل معتمد ، ونص يمكن الحمل عليه ، فما ترك اللّه الإنسان سدى . وقد قال تعالى وقوله الحق : ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [ سورة الأنعام : 38 ] . وفيه عبر الماضين وأخبار كل النبيين ، فهو كتاب اللّه الكامل ،